عبد الرحمن السهيلي
27
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
القصر ، كأنه يريد ما بين جبال مكة ، فقصور الشام أو العراق ، والفاء من قوله : فمجادل تعطي الاتصال بخلاف الواو ، كقوله بين الدخول فحومل ، وتقول : مطرنا بين مكة فالمدينة إذا اتصل المطر من هذا إلى هذه ، ولو كانت الواو لم تعط هذا المعنى . وقوله : أُولي جدلٍ من الخصوم المساجل يروى بالجيم وبالحاء فمن رواه بالجيم فهو من المساجلة في القول ، وأصله في استقاء الماء بالسجل ، وصبه فكأنه جمع مساجل على تقدير حذف الألف الزائدة من مفاعل ، أو جمع مسجل بكسر الميم ، وهو من نعت الخصوم ، ومن رواه المساحل بالحاء ، فهو جمع مسحل وهو اللسان ، وليس بصفة للخصوم ، إنما هو مخفوض بالإضافة ، أي : خصماء الألسنة ، وقال ابن أحمر : * من خطيبٌ إذا ما انحلّ مسحله * أي : لسانه وهو أيضاً من السحل وهو الصب ، ومنه حديث أيوب حين فرج عنه ، فجاءت سحابة فسحلت في بيدره ذهباً ، وجاءت أخرى فسحلت في البيدر الآخر فضة . فصل : وفيها : لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلفٍ قيضاً بنا والغياطل قيضاً أي : معاوضة ، ومنه قول النبي عليه السلام لذي الجوشن : إن شئت قايضتك به المختار من دروع بدر ، فقال : ما كنت لاقيضه اليوم اليوم بشيء يعني : فرساً له ، يقال له : ابن القرحاء . وقال أبو الشيص : لا تنكري صدّي ولا إعراضي * ليس المقلّ عن الزمان براض بدّلت من برد الشباب ملاءةً * خلقاً ، وبئس مثوبة المقتاض والغياطل : بنو سهم ، لأن أمهم الغيطلة ، وقد تقدم نسبها ، وقيل : إن بني سهم سموا بالغياطل ، لأن رجلاً منهم قتل جانا طاف بالبيت سبعاً ، ثم خرج من المسجد فقتله ، فأظلمت مكة ، حتى فزعوا من شدة الظلمة التي أصابتهم ، والغيطلة : الظلمة الشديدة ، والغيطلة أيضاً : الشجر الملتف ، والغيطلة : اختلاط الأصوات ، والغيطلة : البقرة الوحشية ، والغيطلة : غلبة النعاس ، وقوله : يخس شعيرةً ، أي : ينقص ، والخسيس : الناقص من كل شيء ، ويروى في غير السيرة : يحص بالصاد والحاء مهملةً من حص الشعر : إذا أذهبه . وقوله : من كل طمل وخامل : الطمل : اللص ، كذا وجدته في كتاب أبي بحر ، وفي العين : الطمل الرجل الفاحش ، والطمل والطملال : الفقير ، والطمل : الذئب . وقوله لقحة غير باهل : الباهل : الناقة التي لا صرار على أخلافها ، فهي مباحة الحلب يقال : ناقة مصرورة ، إذا كان على خلفها صرار يمنع الفصيل من أن يرضع ، وليست المصراة من هذا المعنى ، إنما هي التي جمع لبنها في ضرعها ، فهو من الماء الصرى ، وقد غلط أبو علي في البارع ، فجعل المصراة بمعنى المصرورة ، وله وجه بعيد ، وذلك أن يحتج له بقلب إحدى الراءين ياءً مثل : قصيت أظفاري ، غير أنه بعيد في المعنى ، وقالت